بدرية الوهيبية شاعرة على امتداد الجرح ، تركت ندبة غائرة في الأدب النسوي العماني
بدرية الوهيبية : ترعبني فكرة ألا تعود قصيدتي كما أريدها
* أخذها العمل الصحفي من حضن الشعر .

* الشعر هو الكائن الذي يأخذك الى الآخر الذي لا تعرفه.
* كبرت وآن الآوان لوضع التجربة في مسارها الذي تستحقه.
* ان تمشي على الشوك حافيا ورأسك مكشوف تحت عواصف الجنون.
* غسيل مخ لعقلية المجتمع وقليلا بل كثيرا من العدل.
* يحدث أحيانا ان أكتب نص وأقلق من انفلات اللحظة الشعرية فاتوقف .
* القصيدة هي التي تكتبني وتختار شكلها بنفسها وتفاصيلها بنفسها.
* حاورتها : هاشمية الموسوية :
بدرية الوهيبية شاعرة على امتداد الجرح ، تركت ندبة غائرة في الأدب النسوي العماني لا يمكن تجاهلها .قصائدها وقصصها مؤخرا ترجمت الى لغات اخرى ، لها ديوان شعر بعنوان ( سقوط مدو لريشة) أرادت منه التعبير عن الذات في تساقطها المدوي بسبب الخيبات والانكسارات التي تؤرق الكاتب والإنسان ، أثارت الجدل حين شاركت لأول مرة بقصيدة عمودية ، وقالت في حوارها القادم إنها فشلت في رصانتها وتجديدها فتركتها ووصمتها بالتجربة البسيطة ..
تعمل كمحرر ثقافي بجريدة الزمن ، لها مشاركات خارجية كثيرة (الشارقة ، القيروان ، اسبانيا، عمّان، الدوحة، البحرين ، القاهرة )وحصلت على العديد من الجوائز في الشعر والقصة ، كان لنا معها هذا الحوار لنقترب من تجربتها أكثر ..
*تجربة وجدانية :
* بدرية بدأت تجربتك منذ تسعينات القرن الماضي مع كثير من الأسماء المتحققة ، كيف تنظرين إلى منجزك الشعري؟
-ما زلت انتظر قصيدة لم أكتبها بعد ، الكتابة بالنسبة لي تحول دائم باتجاه الحياة ، لذا فان حتمية النظر الى ما تم مسبقا ليست واضحة ، ولكن يبقى ما كُتب عزاء للأرواح المتأهبة للحظة شعرية خالصة من إثم الرتابة والتكرار . و بطبيعة الحال تشكل الكتابة الشعرية تجربة روحية ووجدانية لا نستطيع التخلص منها أو ردمها لأنها عائض لنا في حياة كهذه الحياة التي نعيشها الآن ، أطمح الى تجربة أشد عمقاً تعبّر عن الذهاب الى مالا نستطيع التنبؤ به .. لا شيء غير الشعر كبديل لهذا الزخم من الاحتدامات والتصادمات الوجدانية ، وحده الشعر يدخلنا عتمات الروح والجسد والعالم بمثالية وانسانية سابرة أغوار العتمات الجوانية والبعيدة ،ومحاولة استقصائها من أقصى لحظات التوتر والاحتدام الوجودي ، وهنا استعير ما قاله بودلير " من منا لم يحلم، في لحظات الطموح، بمعجزة شعرية بما يكفي ليتوافق مع الإختلاجات الغنائية للروح, وتموجات الأحلام, وقفزات الوعي المفاجئة" الطموح بمعجزة شعرية لا تتحقق سوى بالاستمرار في تغيير كل ما نحن عليه نوراً ولهباً . هذا الاحساس بالانعتاق من الرتم الدائر حول عنق القصيدة شكلا ومضمونا يجعلني أبحث عن لحظة شعرية اخرى وتجربة أخرى المهم ألا نتخلى عن أقانيم (الجنون و الحب والشعر).
يكفي أنني حين كتبت الشعر تأكدت من الوجود وكم تستحق الحياة ان نعيشها رغم انها تسحقنا أحيانا ..
*ما الذي تغير الآن؟
• والآن بدرية باعتقادك هل تغير الكثير في تجربتك ، اذا وضعت مقارنة بين الامس واليوم ، كيف تجدين مراحل التكوين الشعري لديك؟
-تمر التجربة الشعرية في مراحلها التكوينية بما يمر به الجسد البشري ، لوران غاسبار قال " علينا أن نلقي بأنفسنا وراء كل ما يصمد أمامنا لكي نتمكن من أن نعبر حدودنا ".. هذا العبور الذي يمر بعوامل اعادة بناء وتكوين الطبيعة أشبه بمرور التجربة على مراحل صحية افترضتها الطبيعة الشعرية المقدسة ، الجميل في التجربة انها لم تتوقف عند خط وتراوح عليه انما هذا التسلسل وانت تستعيد ذاكرة القصيدة تقف امام نص قديم وتشهق " هل كتبت هذا ؟" الكتابة الشعرية في بداياتها كانت أشبه بمحاولات تطفو على السطح لعدم التفرغ الكامل لبناء النص الشعري ولعلها تلك البدايات التي أخذت طابع الخواطر والنصوص التي لا مسمى أدبي لها سوى انها بوح من نوع ما .. تلك اللحظة سريعة الالتقاط ثم التحول حيث العناية التامة باللغة وتشظيها الذي يشبه تشظي الروح المنفلتة من عقال الزمن .
الآن أكتب القصيدة بوعي مغاير، ومن خلال القراءات المكثفة والتجربة الحياتية والتواصل الروحي بين التثقيف البصري والوعي الشعري اصبح الانعتاق من المفردةِ والتجلي اكثر صعوبة لذلكَ يحدث أحيانا ان أكتب نصا وأقلق من انفلات اللحظة الشعرية فاتوقف ويطول بي العمر لأستعيد تلك اللحظة وأكمل بناء القصيدة ، هذا الاقتراب والنأي أشبه بأنثى تراود صحراء عن يباسها ونسيت ان تبلل أطرافها ببعض قبلات لأكونَ غارقة بسؤال اللغة أكثر.
القلق مرتبط بشكل عضوي بهاجس الكتابة لدي، لذا آخذ وقتا كبيرا لأنهي القصيدة واراجعها مرة ومرتين وثلاث .. اقول تغير الكثير واصبحت الآن معنية بالتناول والقارئ فالشعر هو الكائن الذي يأخذك الى الآخر الذي لا تعرفه ، اصبحت معنية بالفكرة واللغة معا والتعاطي الشعري الذي لا يمكن الاستخفاف به أو تجاهله ..
* لا زلت نيئة
• لك مشاركات خارجية ومحلية عديدة منذ بداياتك –على ما أظن- هل كانت سببا في النضج أو الانتشار ؟
-ربما بشكل غير مباشر اسهمت في تكويني الشعري (لن أقول نضجي المبكر) ، فطالما ما زلت مأخوذة الى الاشتعال فهذا يعني انني لا زلت ( نيئة) وبحاجة الى النضج ، قد تكون كثرة المشاركات تحرق الشاعر الا انه كائن نوراني وضوئي وبركاني فتراه يمشي الى احتراقه بوعي أو بدون وعي ، في البداية كانت هذه المشاركات انتشارية ولكنها الآن اصبحت مشاركات اختيارية رغم اغراء الضوء ولكن آن الأوان ان اشتغل على النص بصمت بعيدا عن كل هذه الضوضاء ، وحقيقة انها لم تساعد على انتشاري لأنه لا يعول عليها في نضج التجربة ، أحافظ على الجلوس في هامشي الحميم، ففي حرية الهامش أكثر حرية كما قال حداد مرة .
* قناعتنا تتغير :
• دعينا نكون صريحين ، لماذا توقفتي عن المشاركة في المهرجانات الشعرية والملتقيات الأدبية رغم خروجك بمراكز متقدمة هل يعود ذلك الى عدم اقتناعك بحياديتها أو ماذا ؟
-القناعات تتغير مع تغير التجربة فما كنا نسعى اليه فترة من الزمن ما عدنا نحتاجه الآن ،ليس ترفعا أو تكبيرا من شأن ، انما الواقع يجعلنا نتردد ونحن ندرك بأن المسابقات يحكمّها ويقيمها شعراء أو ساردين لا تقترب تجربتهم من تجربتك –لن أقول لا ترقى- فكل تجربة لها مسارها وثيماتها ، سأقول (اكتفيت) وآن الأوان للاشتغال أكثر على النص من حيث القراءة والكتابة والنقد المثمر ، آن الآوان لوضع التجربة في مسارها الذي تستحقه ..
وقد أكون كبرت أيضا ولم تعد سني قانونية للدخول في هذه المسابقات !!
وبصراحة لطالما أقول دائما كما قال نيكوس كزنتزاكيس (لا انتظر شيئاً، لا أخشى شيئاً، لا آمل في شيء، أنا حر)
* لا امتلك أدواتها
• كتبت الشعر والقصة والمقال ، ألا تفكرين في كتابة رواية ، ان كان ثمة مشروع فحدثينا عنه ؟
-نحن كائنٌات نزقٌة نتماهى في كُل شيء من حولنا وتفرضه علينا التجربة ، بدأت شاعرة وأدين للشعر بدخولي في رهانات أخرى كالقصة والمقال ، أما الرواية فلا زال الوقت مبكرا ولا أظنني امتلك أدواتها الفنية ، الكتابة الروائية لا تحتمل هذا الاستسهال والدخول اليها مغامرة كبيرة فان لم تكن تمتلك مخزونا واسعا وتجربة حياتية وابداعية فلا تستطيع كتابتها وانت تمتلك فقط نفسا سرديا طويلا يخدعك هذا الذهاب الى الدخول في مغامرة كهذه..
شخصيا تجربتي تميل الى التكثيف والاختزال حتى في كتابة القصة القصيرة ولا أظنني سأنجح يوما في كتابة رواية .
* كأم تنتظر ابن ضال
• لاحظت كوني قريبة منك توقفك عن الكتابة الشعرية بعد دخولك العمل الصحفي ، هل فعلا كما يقال ان الصحافة تقتل الابداع ؟
-يبدو ذلك .. وأنا قلقة كثيرا رغم ان الصحافة بالنسبة لي اضافة ، فتحت أمامي آفاق جديدة ، ولكن ما كنت أخشاه فعلا ان ينسحب تأثير العمل الصحفي الى اللغة ، فبالنسبة لي اللغة تورط وانطلاق نحو عوالم داخلية وخارجية لا يمتلكها الا قلة فمجرد انك تكتشف ان لغتك التي اشتغلت عليها منذ نعومة أظافر القصيدة تتحول الى اللغة التقريرية والمباشرة فأنت أمام لحظة توقف مرعبة حول مصير شاعريتك ، ولكن بعض المقربين يحاولون تهدئة روعي بأنها فترة وتنتهي ولكنني قلقة كأم تنتظر ابنها الضال وتساؤلات عودته هل يأتي كما هو جميلا أم مشوها ؟ ترعبني فكرة ألا تعود قصيدتي كما أريدها واشتغلت عليها طوال تلك السنوات ..
* مالا تراه
صورك الشعرية يستشف منها خصوبة خيال وثراء مخزونك اللغوي ، ما الذي ساعدك على ذلك ؟
- الشعر حالة دائمة التأجج وعملية الكتابة ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ